الشوكاني
413
فتح القدير
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم * يسلو عن الأهل والأوطان والحشم وقول الآخر : ولا عيب فيها غير شكلة عينها * كذاك عتاق الطير شكلا عيونها قرأ الجمهور " نقموا " بفتح النون ، وقرأ أبو حيوة بكسرها ، والفصيح الفتح . ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على العظم والفخامة فقال ( الذي له ملك السماوات والأرض ) ومن كان هذا شأنه ، فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحد ( والله على كل شئ شهيد ) من فعلهم بالمؤمنين لا يخفى عليه منه خافية ، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود ، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين . ثم بين سبحانه ما أعد لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) : أي حرقوهم بالنار ، والعرب تقول : فتنت الشئ : أي أحرقته ، وفتنت الدرهم والدينار : إذا أدخلته النار لتنظر جودته . ويقال دينار مفتون ، ويسمى الصائغ الفتان ، ومنه قوله - يوم هم على النار يفتنون - أي يحرقون ، وقيل معنى فتنوا المؤمنين : محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه ، ثم لم يتوبوا من قبيح صنعهم ويرجعوا عن كفرهم وفتنتهم ، فلهم عذاب جهنم : أي لهم في الآخرة عذاب جهنم بسبب كفرهم ، والجملة في محل رفع على أنا خبر إن ، أو الخبر لهم ، وعذاب جهنم مرتفع به على الفاعلية ، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، ولا يضر نسخه بأن خلافا للأخفش ، ولهم عذاب الحريق : أي ولهم عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم ، وهو عذاب الحريق الذي وقع منهم للمؤمنين ، وقيل إن الحريق اسم من أسماء النار كالسعير ، وقيل إنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير ثم يعذبون بعذاب الحريق ، فالأول عذاب ببردها ، والثاني عذاب بحرها . وقال الربيع بن أنس : إن عذاب الحريق أصيبوا به في الدنيا ، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم ، وبه قال الكلبي . ثم ذكر سبحانه ما أعد للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وظاهر الآية العموم ، فيدخل في ذلك المحرقون في الأخدود بسبب إيمانهم دخولا أوليا ، والمعنى : أن الجامعين بين الإيمان وعمل الصالحات ( لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) : أي لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح جنات متصفة بهذه الصفة . وقد تقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات في غير موضع ، وأوضحنا أنه إن أريد بالجنات الأشجار فجرى الأنهار من تحتها واضح ، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر وهو الشجر لأنها ساترة لساحتها ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم ذكره مما أعده الله لهم : أي ذلك المذكور ( الفوز الكبير ) الذي لا يعد له فوز ولا يقاربه ولا يدانيه ، والفوز الظفر بالمطلوب ، وجملة ( إن بطش ربك لشديد ) مستأنفة لخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبينة لما عند الله سبحانه من الجزاء لمن عصاه ، والمغفرة لمن أطاعه : أي أخذه للجبابرة والظلمة شديد ، والبطش : الأخذ بعنف ، ووصفه بالشدة يدل على أنه قد تضاعف وتفاقم ، ومثل هذا قوله - إن أخذه أليم شديد - ( إنه هو يبدئ ويعيد ) أي يخلق الخلق أولا في الدنيا ويعيدهم أحياء بعد الموت . كذا قال الجمهور ، وقيل يبدئ للكفار عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده لهم في الآخرة ، واختار هذا ابن جرير ، والأول أولى ( وهو الغفور الودود ) أي بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها ، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه . قال مجاهد : الواد لأوليائه ، فهو فعول بمعنى فاعل . وقال ابن زيد : معنى الودود الرحيم . وحكى المبرد عن إسماعيل القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له ، وأنشد : وأركب في الروع عريانة * ذلول الجناح لقاحا ودودا أي لا ولد لها تحن إليه . وقيل الودود بمعنى المودود : أي يوده عباده الصالحون ويحبونه ، كذا قال الأزهري .